ابن قيم الجوزية
258
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
أحدهم وقوي وثبتت أصول تلك الشجرة الطبية التي أصلها ثابت وفرعها في السماء في قلبه بحيث لا يخشى من العواصف ، فإنه إذا أبدي حاله وشأنه مع اللّه ليقتدي به ويؤتم به لم يبال . وهذا باب عظيم النفع وإنما يعرفه أهله . وإذا كان الدعاء المأمور بإخفائه يتضمن دعاء الطلب والثناء والمحبة والإقبال على اللّه فهو من أعظم الكنوز التي هي أحق بالإخفاء والستر عن أعين الحاسدين وهذه فائدة شريفة نافعة . وعاشرها : أن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه متضمن للطلب منه والثناء عليه بأسمائه وأوصافه ، فهو ذكر وزيادة ، كما أن الذكر سمي دعاء لتضمنه الطلب كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أفضل الدعاء الحمد للّه » فسمى « الحمد للّه » دعاء ، وهو ثناء محض . لأن الحمد يتضمن الحب والثناء . والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب ، فالحامد طالب لمحبوبه ، فهو أحق أن يسمى داعيا من السائل الطالب من ربه حاجة ما . فتأمل هذا الموضع فإذا تأملته لا تحتاج إلى ما قيل : إن الذكر متعرض للنوال وإن لم يكن مصرحا بالسؤال ، فهو داع بما تضمنه ثناؤه من التعرض ، كما قال أمية بن أبي الصلت في ممدوحه : أأذكر حاجتي ، أم قد كفاني * حباؤك ؟ إن شيمتك الحباء إذا اثنى عليك المرء يوما * كفاه من تعرضه الثناء وعلى هذه الطريقة التي ذكرناها نفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب وهو طلب المحب ، فهو دعاء حقيقة ، بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه . والمقصود أن كل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 205 ] وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ( 205 ) فأمر تعالى نبيه أن يذكره في نفسه . قال مجاهد وابن